سهيلة عبد الباعث الترجمان
522
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وقد حمل ابن عربي على من ادّعوا الحكمة والتّعقل وتصدّوا لعلوم أهل اللّه فقد وصفهم بالمستهزئين بالحقيقة والمستخفّين بالعباد ، ممن بعدوا عن العلم باللّه وشغلوا بأنفسهم ومجادلاتهم عن كل أمر إلهي فوصفهم بأهل اللقلقة وليسوا بعقلاء فقال فيهم : " فعلمت العقلاء عند ذلك أنها نقصها من العلم باللّه أمور تمّمها لهم الرسل ، ولا أعني بالعقلاء المتكلمين اليوم في الحكمة ، وإنما أعني بالعقلاء من كان على طريقتهم من الشّغل بنفسه والرياضات والمجاهدات والخلوات ، والتهيؤ لواردات ما يأتيهم في قلوبهم عند صفائها في العالم العلوي الموحى في السماوات العلى ، فهؤلاء أعني بالعقلاء ، فإن أصحاب اللقلقة والكلام والجدل الذين استعملوا أفكارهم في مواد الألفاظ التي صدرت عن الأوائل وغابوا عن الأمر الذي أخذها عنه أولئك الرجال ، أما أمثال هؤلاء الذين عندنا اليوم لا قدر لهم عند كل عاقل ، فإنهم يستهزئون بالدين ويستخفّون بعباد اللّه ولا يعظم عندهم إلا من هو معهم على مدرجتهم ، قد استولى على قلوبهم حب الدنيا وطلب الجاه والرياسة ، فأذلهم اللّه كما أذلوا العلم ، وحقّرهم وصغّرهم وألجأهم إلى أبواب الملوك والولاة من الجهال ، فأذلتهم الملوك والولاة ، فأمثال هؤلاء لا يعتبر قولهم ، فإن قلوبهم قد ختم اللّه عليها وأصمهم وأعمى أبصارهم مع الدعوى العريضة أنهم أفضل العالم عند أنفسهم " « 1 » . أما موقف ابن عربي من الفلاسفة فقد كان فيه شيء من الاعتدال ، فلم ينكر عملهم ولم يسفّه أقوالهم ، بل نراه ينبّه إلى دور الفيلسوف وحسن الظن به ، وعدم تسفيه أقواله بل تصديقه وذلك جريا على عادة الصوفية بالتصديق بكل أمر ، كذلك يدفع عنهم ما قد يلحق بعقائدهم من الفساد باعتبارهم يتناولون نفس القضايا التي يتناولها الصوفي والحكيم والرسول ولذلك يقول : " إذا وقعت على مسألة من مسائلهم ، التي قد ذكرها فيلسوف أو متكلم أو صاحب نظر في أي علم كان فتقول في هذا القائل الذي هو الصوفي المحقق أنه فيلسوف لكون الفيلسوف ذكر تلك المسألة وقال بها ، واعتقدها ، أو أنه نقلها منهم أو أنه لا دين له . . . فلا تفعل يا أخي فهذا القول قول من لا تحصيل له ، إذ الفيلسوف ليس كل علمه باطلا ، فعسى تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق ولا
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 325 .